الأسد يطالب برعاية أميركية للمحادثات الإسرائيلية السورية
تهافت مفهوم الصراع السياسي بين معسكري 'التطرف والاعتدال'!
بقلم: حسن الحسن
بقلم: حسن الحسن
دول الاعتدال حسمت امرها بتسليم القياد لواشنطن؛ دول الممانعة اما تدعم الولايات المتحدة من خلال انخراط عملائها في 'عمليات اميركا السياسية'، كحال ايران، او باختيار اميركا كراع اول واخير للسلام، كحال سوريا.
ميدل ايست اونلاين
ظهر في السنوات الأخيرة مفهوم جديد بات يُستعمَل كثيراً لتوصيف أسس الصراع السياسي القائم في العالم الإسلامي، والذي يلخص الصراع فيه بين معسكرين: الأول تقوده الولايات المتحدة الأميركية وتسير في ركابه دول ومنظمات إقليمية متعددة، ويوصف بمعسكر الاعتدال. وأما الثاني فتقوده إيران وسوريا وتلتحق به قوى وطنية وإسلامية، ويطلق عليه معسكر التطرف أو التشدد أو المقاومة والممانعة - بحسب أدبيات وميول المتابع أو المحلل للأوضاع. وتعتبر فلسطين ولبنان والعراق بطبيعة الحال، أبرز محطات هذا الصراع.
واللافت للنظر أن المفكرين والمحللين والساسة، الذين يتبنون هذا الفهم ويروجون له، مصرون على تفسير الوقائع وتغليف الأحداث السياسية الجارية، على النحو الذي يجعله أصلاً في الفهم السياسي وكأنه حقيقة لا تقبل الرد! غاضين النظر عن معطيات واقعية وجوهرية تتعارض معه وتطعن بصحته. الأمر الذي يعني، أن ما يجري هو محاولة غير بريئة لتضليل الرأي العام. ويساهم البعض في عملية التضليل السياسي هذه عن وعي وإدراك. بينما يسير فيها آخرون لمجرد التسليم بما هو شائع في البيئة السياسية الموبوءة التي صنعتها الدول الكبرى، ووضعت لها الوسائل الكفيلة بإنضاجها وتقديمها للناس على نحو مؤثر، مستخدمة من أجل ذلك كل ما توفر لها من أدوات ومؤسسات إعلامية وثقافية وسياسية، بغية ترسيخ مفاهيم سياسية فاسدة، تدفع الجماهير لخوض معترك الصراع بحسب ما يخدم مصالح الدول الكبرى وأتباعها لا مصالحها هي. وفي هذا الإطار شواهد كثيرة على فساد ذلك المفهوم السياسي، لا سيما فيما يتعلق بقضايا الأمة المصيرية، نذكر منها:
يقوم مشروع أميركا بشأن تسوية ما يسمى بالصراع العربي-الإسرائيلي وإنهاء قضية فلسطين للأبد على أساس مقترح لإقامة دولتين، واحدة لليهود على 78% من أرض فلسطين وأخرى للفلسطينيين على 22% منها في أحسن الحالات، وذلك بحسب ما استجد من وقائع على الأرض حتى حلول حرب 1967. أي إقرار كل ما التهمته العصابات الصهيونة كحق أصيل لها لقاء إعادة مرتفعات الجولان للسوريين وما تبقى من فلسطين لسلطة محمود عباس وإقامة دويلة فيها تكون أداة فاعلة لدمج إسرائيل في المنطقة وجعلها سوراً جديداً واقياً لحماية أمن كيان يهود، شأنها شأن بقية الأنظمة الأخرى التي تسمى دول المواجهة!. وفيما تنشط الولايات المتحدة لإتمام هذا المشروع، يجهد النظام السوري بجدية بالغة لإنجاحه مسخراً من أجل ذلك منظمات فلسطينية ولبنانية لإرغام الرأي العام اليهودي على قبول المشروع الأميركي. ويصر النظام السوري في هذا السياق علناً على جعل الولايات المتحدة الوسيط في أية مفاوضات بينه وبين اسرائيل، حتى يبقي كافة أوراق اللعبة بين أصابع الإدارة الأميركية، ما ينفي ما يشاع عن خصومة هؤلاء للمشروع الأميركي وممانعتهم له كما يدعون.
يقوم مشروع أميركا في العالم الإسلامي على محاربة الصعود الإسلامي المضطرد فيه، والذي ينادي بإلغاء النفوذ الغربي منه وتحرير فلسطين كاملة وتوحيد الأمة تحت راية الإسلام وأحكامه. وتمضي أميركا في مشروعها هذا باستنزاف طاقات المسلمين في صراعات طائفية دموية، وبإثارة الضغائن والأحقاد التي تؤدي إلى تعميق الشرخ بين السنة والشيعة وإلى تصوير الإسلام على أساس أنه سبب الفتن والاضطرابات وتقديمه في أسوأ شكل ممكن حتى ينفر الناس من الداعين إلى إحيائه من جديد في حياة الأمة، وبالتالي نبذه واستمرار إقصائه عن الحياة، وجعل العلمانية (صراحة أو ضمنا) مطلباً عاماً لدى عامة الناس. وفي هذا الإطار يجد المراقب أن دول الممانعة تقوم بدور مشابه لما تقوم به دول الاعتدال بشأن تأجيج الفتن وشحن المسلمين ضد بعضهم بشكل بشع ومريض، ما يعني انخراط الدول الممانعة والمعتدلة في المشروع الأميركي بهذا الصدد.
يقوم مشروع أميركا في العراق أصلاً على الهيمنة المباشرة عليه وبالتالي الاستئثار بالثروات الهائلة فيه ووضع الدول الصناعية الكبرى تحت رحمتها، فضلاً عن إخضاع المنطقة من خلال تواجد عسكري يساعدها على إعادة صياغة العالم الإسلامي ككل بحسب معاييرها التي ترعى مصالحها وحدها. وتسعى أميركا من خلال عملية سياسية في العراق لخلق مناخات تساعدها على إتمام مشروعها هذا. وقد قامت إيران بدفع المجاميع التي احتضنتها ورعتها عقوداً من الزمن إلى الانخراط في العملية السياسية التي صممتها أميركا في العراق بعد إسقاط نظام البعث. وقد دعمت إيران على الدوام العملية السياسية المذكورة، وعقدت مع الأميركان جلسات حوار عديدة لتسوية العقبات التي تواجه تلك العملية، بل إن الرئيس الإيراني نفسه أحمدي نجاد قد توجه إلى البقعة الخضراء التي تعتبر محمية أمنية أميركية بامتياز ليعلن دعم الحكومة القائمة هناك (نفس الحكومة التي تتبناها الولايات المتحدة وترعاها) ما يعني مساهمة مباشرة في إنجاح مشروع أميركا في العراق. كما تنفي توصيات الساسة الأميركان على الاستعانة بدول الممانعة - أي إيران وسوريا - لتحقيق الاستقرار في العراق ولتأمين سير العملية السياسية فيه، تنفي تلك التوصيات مزاعم كونها دولاً ممانعة لأميركا فضلاً عن كونها قطباً منافساً لها.
قام مشروع أميركا في لبنان في مرحلته الأولى (1975-1990) على أساس طرد النفوذ الفرنسي – البريطاني منه، في إطار إتمام تصفية النفوذ الأوروبي من منطقة الشرق الأوسط (الغني بمصادر الطاقة). وفي مرحلته الثانية (1990-2005) قام مشروع أميركا على إعادة ترتيب البيت السياسي في لبنان بما يحقق استقرار الأمر لها فيه ووضعه ضمن تحرك إقليمي أوسع لضمان تطبيق مخططاتها في المنطقة. وفي كلتي المرحلتين قام النظام السوري بمساهمة فاعلة وبلعب دور مباشر في إنجاح مشاريع أميركا في لبنان. وهو ما بات موثقاً لدى كل من له أدنى اطلاع على العلاقات السورية الأميركية (قبل وبعد وأثناء اتفاق الطائف). وأما في المرحلة الحالية فتقوم القوى الموالية للنظام السوري في لبنان على إيقاف الدور الأوروبي (الفرنسي - البريطاني) من الاستئثار فيه. وهو ما يفسر تلك الضوضاء التي تحدثها الولايات المتحدة من تصريحات الدعم والتأييد لحكومة السنيورة والموالين لها من قوى 14 آذار، مبتغية أميركا بذلك زعزعة الثقة بالسنيورة وحكومته ومواليه، مبرزة إياه على أنه مجرد عميل رخيص لها، بينما تغض النظر فعلياً عما تقوم به قوى المعارضة من إجراءات تحد من استيلاء عملاء أوروبا على لبنان، مكتفية بالثرثرة من بعيد، لا تحرك ساكناً، بينما تقوم قوى المعارضة بالاستيلاء على بيروت بقوة السلاح، ما أرغم السنيورة وأكثريته على الرضوخ لمطالب المعارضة في مؤتمر الدوحة. وهكذا فإن الصراع في لبنان كغيره يعكس تنافس الدول الكبرى عليه، وليست إيران ولا سوريا منها، بل هي مجرد أدوات إقليمية في ذلك الصراع الدولي المرير بين أوروبا وأميركا، والذي يأخذ أشكالاً متباينة بحسب كل مرحلة.
إن اللائحة بهذا الصدد طويلة، والتضارب بين ما يقع من أحداث وكيفية انعكاسها في تصريحات الساسة المضللة، تبدو أقرب ما تكون لمشهد ذاك الحكيم الذي مر برجل يرتدي زي العلماء وهو يتكلم بين الناس بكلام لا يستقيم ولا يليق بأمثال ما هو عليه من هيئة، فقال له – يا هذا إما أن تتكلم كلاماً يشبه زيك، أو تلبس زياً يشبه كلامك! والشاهد هنا هو أن تصريحات الساسة في عالمنا هذا لا تعكس على الأغلب حقيقة مواقفهم فضلاً عن حقيقة ما يجري، عن قصد ودجل، أو عن جهل وتبعية. وحتى لا نغرق بالتفاصيل الكثيرة فإننا اكتفينا هنا ببسط بعض الشواهد التي تكشف زيف المفهوم الشائع عن الصراع المفترض بين الغرب بقضه وقضيضه من جهة وإيران وسوريا من جهة أخرى.
حسن الحسن
باحث في جامعة لندن
[IMG] ] http://aljazeeratal
__._,_.___
كتبها نجاح السباتين في 06:19 مساءً ::
لا يوجد تعليق
