العقيدة الاسلامية تريح الانسان وتبدد حيرته وتجيبه على أسئلته
ذلك أن الإنسان بطبعه يتساءل نوعين من التساؤلات :
1-تساؤلات كبرى تتعلق بالكون والإنسان والحياة ، من أين جاء ولماذا والى أين المصير ؟ وهل الكون أزلي أم حادث ؟ وهل الحياة فانية أم خالدة ؟ وهذه التساؤلات تشكل العقدة الكبرى في حياته، فإذا انحلت أي وجد لها الإجابات الصحيحة التي يطمئن إليها ، حلت باقي العقد، والعقدة الكبرى تنشأ لدى الإنسان عندما لا يجد جوابا على أسئلته حول الوجود كله .
2- التساؤلات الصغرى التي تتعلق بكيفية إشباع الحاجات العضوية والغرائز.
فالإجابة على التساؤلات الكبرى تشكل العقيدة التي تبنى عليها الأفكار في الحياة، فمثلا التساؤل عن ماهية اللباس وحدود العورة التي يجب أن تغطى وكيفية الحصول على الطعام، الإجابة على هذه التساؤلات يتعلق بالإجابة على التساؤلات الكبرى ، فإذا كانت الإجابة عليها أن الله هو الذي خلقنا لعبادته وسيحاسبنا على أعمالنا يوم القيامة ، فهذا الجواب يشكل عقيدة يبنى عليها أن الله فرض على المرأة لبس الجلباب وأباح لها كشف الوجه واليدين فقط، أما الرجل فلم يحدد له شكلا للباس وإنما حدد عورته من السرة إلى الركبة ، وان الحصول على الطعام يتم بطرق التملك المشروعة فلا يجوز الحصول عليه بطريق الربا أو الاحتكار أو السرقة .
أما إذا كان حل العقدة الكبرى ينص على أن الله خلق الإنسان ولكن لا دخل له في تدبير شؤون حياته ، فان هذه الإجابة تشكل عقيدة يبنى عليها أن الإنسان له حرية شخصية وحرية تملك ، فهو يفعل ما يشاء في أي وقت يريد وكما يحلو له . فلا حدود لعورته ولا شروط للباسه ، ويستطيع أن يمتلك ماله بأي وسيلة كانت .
وحتى تكون العقيدة صحيحة، لا بد من توفر شرطين اثنين هما ( إقناع العقل وموافقة الفطرة ).
1- أما الشرط الأول وهو إقناع العقل ، أي أن تكون الإجابة على التساؤلات الكبرى مبنية على العقل ، أي مطابقة للواقع ، وبإمكان العقل السوي أن يتأكد من صحتها في أي وقت يشاء .
2- أما الشرط الثاني وهو موافقة الفطرة ، أي أن تقرر الإجابة ما في نفس الإنسان من عجز ونقص واحتياج للخالق ، وان يضع لها الأنظمة الصحيحة لإشباعها .
على أن كل من كان له عقل ،يدرك من مجرد وجود الأشياء التي يقع عليها حسه أن لها خالقا خلقها ، لان المشاهد فيها جميعها أنها ناقصة وعاجزة ومحتاجة لغيرها فهي مخلوقة قطعا ، ولذلك يكفي لفت النظر إلى أي شيء في الكون والحياة والإنسان ليستدل
به على وجود الخالق المدبر ، فالنظر إلى أي كوكب من الكواكب في الكون، والتأمل في أي مظهر من مظاهر الحياة ، وإدراك أي ناحية في الإنسان ليدل دلالة قطعية على وجود الله . ولذلك نجد القرآن الكريم يلفت النظر إلى الأشياء ، ويدعو الإنسان لأن ينظر إليها والى ما حولها وما يتعلق بها ويستدل بذلك على وجود الله . إذ ينظر إلى الأشياء كيف أنها محتاجة إلى غيرها فيدرك من ذلك وجود الله الخالق المدبر إدراكا قطعيا . وقد وردت مئات الآيات في هذا المعنى قال تعالى في سورة آل عمران ( ان في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب )[1] وقال تعالى في سورة الروم ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت والى السماء كيف رفعت والى الجبال كيف نصبت والى الأرض كيف سطحت )[2] وقال تعالى في سورة الطارق ( فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق ، يخرج من بين الصلب والترائب )[3] وقال تعالى في سورة البقرة ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ، وتصريف الرياح المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون)[4] إلى غير ذلك من الآيات التي تدعو الإنسان لأن ينظر النظرة العميقة إلى الأشياء وما حولها وما يتعلق بها، ويستدل بذلك على وجود الخالق المدبر حتى يكون إيمانه بالله راسخا عن عقل وبينة .
ما معنى خالق مدبر ؟
الخالق هو من خلق الأشياء من عدم بعد أن لم تكن موجودة .
المدبر خلق الأشياء في ذات كل منها على حال يمكنها من الاستمرار في أداء مهماتها ووظائفها في نفسها وغيرها ، كما خلق لها كل ما تحتاجه من خارجها ومحيطها للبقاء
والاستمرار ، فالكون خلقه من أجرام بما فيها وما يحيط بها يمكنها من البقاء والسير في الأفلاك وأداء المهمات بشكل فاعل ومنفعل معا ، وكذلك الإنسان خلقه بحاجات وغرائز وعقل تمكنه من البقاء والاستمرار في حياته بشكل فاعل ومنفعل ، وكذا الحياة خلقها على حال فيه الحركة والنمو بشكل فاعل ومنفعل معا . أي يؤثر بغيره ويتأثر به في الإطار الإنساني والمادي والحياتي.
عدم قدرة العقل على إدراك ذات الله
إن الطريقة العقلية في التفكير توصل إلى الإيمان بوجود الله إيمانا قطعيا لا شك فيه ، إلا أن العقل الإنساني محدود ، لا يستطيع أن يدرك ما فوقه مما لا يقع تحت الحس ، لهذا فهو محدود الإدراك ، ومن هنا لا يستطيع العقل الإنساني أن يدرك ذات الله عز وجل لان ذاته لا تقع تحت الحس . وبالتالي لا يستطيع العقل أن يبحث في صفات الله ، ولا يجوز طرح أسئلة عن صفات الله هل هي متصلة بالذات أم منفصلة عنها ؟ وهل لله عينا كأعيننا ويدا كأيدينا ، أم أن هذه الصفات لها تأويلات أخرى . لقد اخطأ المسلمون الأوائل الذين بحثوا في هذه الصفات لأنهم بحثوا في شيء لا تدركه حواسهم ولا عقولهم،لأنه خارج عن حدود العقل ، فهذه صفات نؤمن بها كما وردت في القرآن دون تشبيه أو تعطيل أو تأويل ، نؤمن بها كما آمن الصحابة رضوان الله عليهم، فلم يتناقش الصحابة يوما في يد الله ،ماهيتها وكيف يكون شكلها؟ ولهذا يجب أن نؤمن أن لله يدا وسمعا وبصرا ولكن لا يشبهها شيء ، ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) [5]ورحم الله مالكا عندما سئل عن الاستواء قال : الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة. ولقد أخطأ المسلمون أيضا عند بحثهم هل القرآن مخلوق أم لا ؟ من باب انه كلام الله ، فتساءلوا هل كلامه جزء منه فهو غير مخلوق ، أم شيء منفصل عنه فهو مخلوق ؟ فالبحث في صفات الله بحث في غيب لم نطلع عليه ولم يخبرنا الله عن ماهيته، وصدق رسول الله عندما قال تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله[6].
ولا يقال هنا : كيف آمن الإنسان بالله عقلا مع أن عقله عاجز عن إدراك ذات الله ؟ لأن الإيمان إنما هو إيمان بوجود الله ووجوده مدرك من وجود مخلوقاته، وهي الكون والإنسان والحياة . وهذه المخلوقات داخلة في حدود ما يدركه العقل، فأدركها ، وأدرك من إدراكه إياها وجود خالق لها، وهو الله تعالى. ولذلك كان الإيمان بوجود الله عقليا وفي حدود العقل، بخلاف إدراك ذات الله فانه مستحيل لان ذاته وراء الكون والإنسان والحياة فهو وراء العقل . والعقل لا يمكن أن يدرك حقيقة ما وراءه لقصوره عن هذا الإدراك .
إن إدراك العقل لوجود الله جاء نتيجة إدراكه للآثار المحسوسة الدالة على وجوده، وهذه الآثار هي الكون والإنسان والحياة ، وهذه أشياء تقع الحس، فيستطيع العقل البشري أن يدركها ، لهذا كان إدراك وجود الله في حدود العقل كمن يسمع صوت طائرة وهو جالس في البيت فيدرك من سماعه لصوتها أنها موجودة ، ولكنه لا يدرك ذاتها لان جسمها لم يقع تحت لمسه وبصره وحسه ، وكمثل إدراك العقل لوجود الكهرباء وذلك من إدراكه لأثارها التي يحسها الإنسان بالارتعاش وبحرارة المكوى وبرودة الثلاجة وحركة الغسالة وإنارة اللمبة ، ولكن العقل لا يدرك كنهها . وكذلك الحياة لا يدرك العقل كنهها وماهيتها، رغم انه يحس بآثار وجودها كالحركة والنمو والتكاثر.
وهذا القصور نفسه يجب أن يكون من مقويات الإيمان ، وليس من عوامل الارتياب والشك فانه لما كان إيماننا بالله تعالى آتيا عن طريق العقل كان إدراكنا لوجوده إدراكا تاما ، ولما كان شعورنا بوجوده تعالى مقرونا بالعقل كان شعورنا بوجوده شعورا يقينيا ،ويتحقق الشعور اليقيني بوجود الله عند الربط بين العقل والفطرة ، وهذا كله يجعل عندنا إدراكا تاما وشعورا يقينيا بجميع صفات الألوهية . وهذا من شأنه أن يقنعنا أننا لن نستطيع إدراك حقيقة ذات الله على شدة إيماننا به ، وأننا يجب أن نسلم بما أخبرنا به مما قصر العقل عن إدراكه أو الوصول إلى إدراكه ، وذلك للعجز الطبيعي عن أن يصل العقل الإنساني بمقاييسه النسبية المحدودة إلى إدراك ما فوقه . إذ يحتاج هذا الإدراك إلى مقاييس ليست نسبية وليست محدودة ، وهي مما لا يملكه الإنسان ولا يستطيع أن يملكه .
إن إدراك ذات الله أمر مستحيل لأنه أمر فوق العقل ، ولا يجوز أن يكون هذا القصور عن إدراك ذات الله من عوامل الارتياب والشك ، بل يجب أن يكون من مقويات الإيمان لان العجز عن إدراك ذات الله عجز طبيعي، لأن إدراكه يحتاج إلى مقاييس غير نسبية (أي بالنسبة إلى غيرها أو بالمقارنة مع غيرها ) وغير محدودة في قدراتها وطاقاتها ، فإدراك ذات الله عز وجل تحتاج إلى مقاييس مطلقة ولا تعتمد على المحسوسات ، وهذا أمر لا يملكه الإنسان . فإدراك العقل لوجود الله إدرا
المزيد